أبو حامد الغزالي

154

تهافت الفلاسفة

أيضا ، وإذا قيل له : ( جواد ) ، أريد به أنه يفيض عنه الكل ، لا لغرض يرجع إليه ، والجود يتم بشيئين : أحدهما : أن يكون للمنعم عليه فائدة فيما وهب له ، فإن من يهب شيئا من هو مستغن عنه ، لا يوصف بالجود ، والثاني أن لا يحتاج الجواد إلى الجود ، فيكون إقدامه على الجود لحاجة نفسه ، وكل من يجود ليمدح ويشى عليه ، أو يتخلص من مذمة ، فهو مستعيض ، وليس بجواد ، وإنما الجود الحقيقي للّه سبحانه وتعالى ، فإنه ليس يبغى به خلاصا عن ذم ، ولا كمالا مستفادا بمدح ، فيكون الجواد اسما منبئا عن وجوده مع إضافة إلى الفعل ، وسلب للغرض ، فلا يؤدى إلى الكثرة في ذاته . وإذا قيل : خير محض ، فإما أن يراد به وجوده بريئا عن النقص وإمكان العدم ، فإن الشر لا ذات له ، بل يرجع إلى عدم جوهر ، أو عدم صلاح حال الجوهر ، وإلا فالوجود - من حيث إنه وجود - خير ، فيرجع هذا الاسم إلى السلب ، لإمكان النقص والشر ، وقد « 1 » يقال : خير ، لما هو سبب لنظام الأشياء ، والأول مبدأ لنظام كل شئ ، فهو خير ، ويكون الاسم دالا على الوجود ، مع نوع إضافة ، وإذا قيل : ( واجب الوجود ) ، فمعناه هذا الوجود ، مع سلب علة لوجوده ، وإحالة علة لعدمه أولا وآخرا ، وإذا قيل : ( عاشق ومعشوق ولذيذ وملتذ ) ، فمعناه هو أن كل جمال وبهاء وكمال فهو محبوب ومعشوق لذي الكمال ، ولا معنى للذة إلا إدراك الكمال الملائم ، ومن عرف كمال نفسه في إحاطته بالمعلومات - لو أحاط بها - وفي جمال صورته ، وفي كمال قدرته ، وقوة أعضائه ، وبالجملة إدراكه لحضور كل كمال « 2 » هو ممكن له ، لو أمكن أن يتصور ذلك في إنسان واحد - لكان « 3 » محبا لكماله وملتذا به ، وإنما تنتقص لذته بتقدير العدم والنقصان ، فإن السرور لا يتم بما يزول أو يخشى زواله . والأول له البهاء الأكمل ، والجمال الأتم ، إذ كل كمال هو ممكن له فهو حاصل له ، وهو مدرك لذلك الكمال ، مع الأمن من

--> ( 1 ) مقابل قوله « فأما أن يراد به » . ( 2 ) في النسخة « جمال » . ( 3 ) المناسب « كان » بحذف اللام .